مقدمة
لعل من غرائب الممارسة الدستورية أن يجد المرء نفسه أمام نازلة تبدو أحكامها، لأول وهلة، من الوضوح بما لا يدع مجالا للاختلاف، فإذا أمعن النظر في النصوص المنظمة لها، وما استقر عليه القضاء الدستوري بشأنها تكشف له من وجوه الإشكال ما يجعل ذلك الوضوح نفسه موضع ريبة ويفتح بابا من الجدل الفقهي حول سلامة التشريع واتساق الاجتهاد القضائي. وتلك فيما يبدو، حال التنافي بين العضوية في مجلس النواب والعضوية في الحكومة، وقد أعادت واقعة تعيين مديحة خيير عضوا في الحكومة، ثم إعفائها من مهامها قبل حصول هذه الأخيرة على التنصيب البرلماني، إثارة إشكال قانوني سبق أن أناطه بالإلهام مداد الفقهاء، واختلفت بشأنه أنظارهم، دون أن يستنفد القضاء الدستوري جميع وجوه النظر فيه.
ومبعث الإشكال أن المشرع التنظيمي وهو ينظم حالة التنافي المذكورة، أورد بشأنها مقتضيين في قانونين تنظيميين مختلفين، رتب أولهما التصريح بشغور المقعد النيابي على واقعة التعيين في الحكومة، بينما أقر ثانيهما أجلا لتسوية وضعية التنافي يحتسب، بحسب الحالة، من تاريخ التنصيب البرلماني للحكومة أو من تاريخ تعيين العضو الحكومي المعني. وقد كان يسيرا أن يرفع المشرع ما قد ينشأ عن هذا الاختلاف من لبس، لو أنه أحكم الصلة بين المقتضيين، أو حدد على الأقل نطاق سريان كل منهما. غير أن ما يسترعي النظر أن كلا القانونين التنظيميين خضع للرقابة الدستورية القبلية، وجرى التصريح بدستورية المقتضيات المعنية، ثم جاء الاجتهاد الدستوري ليزيد المسألة تعقيدا حين طبق أحدهما في التصريح بشغور مقاعد النواب المعينين وزراء، وعاد في مناسبة لاحقة ليؤكد ضرورة مراعاة المقتضى الآخر عند النظر في تسوية حالات التنافي.
وأمام هذا الوضع، لا يستقيم أن نكتفي بترديد ما جرى عليه القضاء الدستوري من ترتيب الشغور على التعيين الحكومي، كما لا يسوغ أن نجعل من مجرد اللاحقية الزمنية لقانون تنظيمي حجة قاطعة على نسخ مقتضى سابق. ففي كلا المسلكين قدر من التعجل في الاستدلال، وإغفال لما يقتضيه النظر القانوني من استقراء النصوص في مجموعها واستحضار مرجعيتها الدستورية وتمحيص ما إذا كان الاختلاف بينها قابلا للتوفيق، أو أن الأمر ينطوي على تعارض حقيقي يستعصي معه إعمال المقتضيين معا.
وليس من قليل العجب أن يصبح مقتضى قانوني أقر المجلس الدستوري سلامته من المخالفة الدستورية عرضة للتجريد من أثره القانوني، بدعوى أن مقتضى آخر قد استنفد وحده تنظيم المسألة. فإن صح هذا النظر، فما الجدوى من إقرار أجل لتسوية وضعية التنافي إذا كان مجرد التعيين الحكومي كافيا لإطلاق مسطرة تنتهي إلى فقدان المقعد النيابي قبل انصرام ذلك الأجل؟ وإن لم يصح، فبأي وجه يستقيم ترتيب الشغور على واقعة قد زالت آثارها الحكومية قبل استكمال المسطرة القضائية المقررة لذلك؟ ثم أي منزلة ينبغي أن تعطى لاجتهاد دستوري سابق أقر دستورية المقتضيين، قبل أن يتجه تطبيقهما إلى نتائج قد يبدو التوفيق بينها متعذرا؟
تلك أسئلة تفرضها نازلة مديحة خيير، وتقتضي العودة إلى النصوص المؤسسة لحالة التنافي، وإلى القرارات الدستورية التي تناولتها، مع استحضار الجدل الفقهي الذي أثاره الأستاذ محمد أمين بنعبد الله والدكتور مصطفى قلوش بشأن قرار المحكمة الدستورية رقم 02/17، وما انطوت عليه حججهما من وجوه الصواب ومواطن العوار . وسنحاول من خلال ذلك، الوقوف على الحدود التي ينتهي عندها الاختلاف المشروع في التأويل ويبدأ معها اضطراب الاستدلال، وما قد يفضي إليه من إهدار لمقتضيات تشريعية نافذة أو تحميلها من المعاني ما لا تحتمل.
أولا: في ازدواج التنظيم التشريعي لحالة التنافي وحدود التوفيق بين مقتضياته
إذا كان الدستور المغربي قد أقر مبدأ التنافي بين بعض الوظائف والانتدابات، وأحال تحديد أحكامه إلى المشرع بموجب قانون تنظيمي، فإن النظر في الكيفية التي تولى بها هذا الأخير تنظيم التنافي بين العضوية في مجلس النواب والعضوية في الحكومة يكشف عن وضع تشريعي يستدعي قدرا غير يسير من التمحيص. ذلك أن المشرع لم يستنفد تنظيم هذه الحالة في قانون تنظيمي واحد، وإنما تناولها في نصين مختلفين، صدرا في زمنين متباعدين نسبيا وأوردا بشأنها أحكاما لا تتطابق من حيث الآجال والآثار القانونية، الأمر الذي يثير السؤال عن مدى إمكان إعمالهما معا، دون أن يفضي تطبيق أحدهما إلى تعطيل الآخر. فالمادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب تقرر صراحة تنافي العضوية في المجلس مع صفة عضو في الحكومة، وتخول المحكمة الدستورية، بناء على طلب رئيس مجلس النواب، إعلان شغور مقعد النائب المعين عضوا في الحكومة داخل أجل شهر. ويستفاد من ظاهر هذا المقتضى أن المشرع ربط بين واقعة التعيين الحكومي ومسطرة التصريح بشغور المقعد النيابي، وأسند الاختصاص في ذلك إلى القضاء الدستوري، بما يجعل التعيين واقعة قانونية منشئة لحالة التنافي، ويجعل إعلان الشغور أثرا يخضع لمسطرة قضائية مخصوصة. غير أن هذا التنظيم لم يبق وحيدا في المنظومة التشريعية، إذ صدر بعده القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، الذي نص في مادته 32 على التنافي بين العضوية الحكومية والعضوية البرلمانية، ثم اورد في مادته 35 مقتضى يقضي بتسوية وضعية عضو الحكومة الموجود في إحدى حالات التنافي داخل أجل لا يتجاوز ستين يوما، يحتسب من تاريخ تنصيب مجلس النواب للحكومة أو من تاريخ تعيين العضو الحكومي المعني، بحسب الحالة.
إن الوقوف عند هذين المقتضيين يثير من الأسئلة أكثر مما يتيح من الأجوبة. فإذا كانت المادة 14 قد جعلت التعيين الحكومي أساسا لمسطرة التصريح بشغور المقعد النيابي، فما وجه إقرار أجل لاحق لتسوية حالة التنافي التي تنشأ عن التعيين نفسه؟ وهل اراد المشرع التنظيمي، حين أقر أجل الستين يوما، ان يمنح عضو الحكومة مهلة قانونية لإنهاء وضعية الجمع بين الصفتين، أم أن هذا الأجل لا يجد مجالا للتطبيق متى تعلق الأمر بنائب برلماني عين عضوا في الحكومة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما مسوغ إدراج التنافي مع العضوية البرلمانية ضمن الأحكام التي تحيل إليها المادة 35، دون ان يرد بشأنه استثناء صريح؟
ولا يستقيم في تقديرنا دفع هذا الإشكال بالقول إن المادة 14 تتعلق بالوضع القانوني للنائب، بينما تتعلق المادة 35 بالوضع القانوني للوزير، وكأن اختلاف المخاطب بالنص يكفي وحده لنفي التعارض بين أحكامهما. فالنائب المعين عضوا في الحكومة هو الشخص القانوني نفسه الذي تتناوله المادتان، وواقعة التعيين التي يستند إليها تطبيق المقتضى الأول هي عينها التي تنشئ حالة التنافي المنصوص عليها في المقتضى الثاني. أما اختلاف الموقع التشريعي لكل منهما فلا يصلح، في ذاته، حجة على استقلال آثارهما، ما دام تطبيق أحدهما قد يؤثر في المجال الزمني والقانوني لتطبيق الآخر.
على أن هذا الاختلاف لا ينهض، بمجرده، دليلا قاطعا على وقوع نسخ ضمني، كما لا يسوغ اتخاذه ذريعة لتجريد أحد المقتضيين من مضمونه. فالقول بالنسخ يقتضي إثبات تعذر الجمع بين النصين، والقول بالتكامل يستوجب بيان الكيفية التي يمكن بها إعمالهما دون مصادرة الأثر القانوني لأحدهما. أما الاكتفاء بإعلان خصوصية هذا النص أو لاحقية ذاك، دون إقامة البرهان على مقتضى الترجيح، فليس من التحقيق القانوني في شيء، وإنما هو ضرب من التعجل في التأويل، لا يستقيم معه بناء نتيجة تمس المركز الدستوري للنائب البرلماني.
وتزداد المسألة دقة إذا استحضرنا أن القانون التنظيمي للحكومة صدر تنفيذا للفصل 87 من الدستور، الذي أسند إليه تحديد حالات التنافي مع الوظيفة الحكومية، وأن القانون التنظيمي لمجلس النواب يستمد بدوره أساسه من الفصل 62، الذي أحال على القانون التنظيمي تحديد حالات التنافي مع العضوية في المجلس. فنحن، والحال هذه، أمام مقتضيين يستندان إلى إحالتين دستوريتين مختلفتين، ويتناولان حالة قانونية مشتركة، دون أن يكون في اختلاف سندهما الدستوري ما يجيز إهدار أحدهما لمصلحة الآخر.
ومن هنا، فإن البحث في مدى التعارض بين المادتين 14 و35 يستلزم تجاوز ظاهر اختلاف الآجال إلى تحديد طبيعة الأثر القانوني الذي رتبه كل منهما، والوقوف على الحدود الفاصلة بين نشوء حالة التنافي، وواجب تسويتها، والتصريح القضائي بشغور المقعد النيابي. وهي مسائل لا يمكن حسمها باستقراء النصوص وحدها، ما دام القضاء الدستوري قد سبق أن بسط رقابته على القانونين التنظيميين، ثم عاد إلى تطبيق بعض أحكامهما في مناسبات مختلفة، بما يجعل اجتهاده نفسه محلا لازما للفحص والمساءلة.
ثانيا: في الرقابة الدستورية القبلية وغميزة الاجتهاد القضائي في معالجة التنافي
إن أول ما يستوقف الباحث في اجتهاد القضاء الدستوري بشأن التنافي بين العضوية الحكومية والنيابية، أن المقتضيات التشريعية التي أثارت هذا الإشكال لم تفلت من رقابته القبلية، ولم تتسلل إلى المنظومة القانونية خلسة، فقد عرضت عليه وفق المسطرة الدستورية المقررة وأقر سلامتها من المخالفة الدستورية. ومن ثم، فإن الاحتجاج بوجود اضطراب في صياغتها أو قصور في تنظيم آثارها، مهما كان وجيها من الناحية التشريعية، لا يعفي القاضي الدستوري من واجب استحضارها عند الفصل في المنازعات المعروضة عليه، ولا يسوغ له أن يتعامل مع أحدها باعتباره مقتضى نافذا، ومع الآخر كما لو كان حشوا تشريعيا لا طائل من ورائه.
فبمقتضى قراره رقم 955/15، الصادر بتاريخ 4 مارس 2015، بسط المجلس الدستوري رقابته على القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها وصرح بأن مقتضياته لا تخالف الدستور مع مراعاة ملاحظة تتعلق بالمادة 37 وحدها. وقد شمل هذا التصريح المادة 35 التي حددت أجل تسوية حالات التنافي دون أن يسجل المجلس بشأنها تحفظا أو يثير ما قد ينشأ عن تطبيقها من صعوبة في علاقتها بالمادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب. والأمر هنا ذو دلالة خاصة، ذلك أن الرقابة الدستورية القبلية وإن كانت لا ترفع كل احتمال لاختلاف التأويل عند التطبيق، فإنها لا تترك للقاضي الدستوري حرية إغفال مقتضى سبق إقرار دستوريته متى كان ذا صلة مباشرة بالنازلة المعروضة عليه.
غير أن المحكمة الدستورية، حين عرض عليها طلب التصريح بشغور المقاعد النيابية لأعضاء الحكومة المعينين في 5 أبريل 2017، سلكت في قرارها رقم 02/17، الصادر بتاريخ 12 أبريل من السنة نفسها، مسلكا اقتصر فيه تعليلها على المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11. فقد استحضرت واقعة التعيين الحكومي، ورتبت عليها قيام حالة التنافي، وانتهت إلى التصريح بشغور المقاعد المعنية. ولم يرد في تعليلها ذكر للمادة 35 من القانون التنظيمي للحكومة، ولا بيان لمدى انطباق أجل التسوية المنصوص عليه فيها، ولا حتى تعليل يستبعد إعمالها في هذه الحالة.
وليس موضع الاعتراض أن المحكمة طبقت المادة 14، فهي مادة نافذة وصريحة في تقرير التنافي ومسطرة إعلان الشغور، وإنما موضعه أنها لم تكشف عن وجه التوفيق بينها وبين المادة 35، مع أن هذه الأخيرة كانت قد أصبحت جزءا من التشريع الجاري به العمل. وأي عذر فقهي يمكن أن يساق لتبرير هذا السكوت؟!! فإن كانت المادة 35 غير قابلة للتطبيق على النواب المعينين أعضاء في الحكومة، فبيان ذلك واجب يقتضيه التعليل السليم. وإن كانت قابلة للتطبيق، فكيف أمكن التصريح بالشغور دون مناقشة الأجل الذي أقرته؟ أما أن يطوى المقتضى طيا ويستخرج الحكم من نص واحد، ثم يقدم هذا الاستخراج في صورة نتيجة لا تحتمل المنازعة، ففيه غميزة ظاهرة في منهج الاستدلال، مهما بلغت سلامة النتيجة التي انتهى إليها القرار.
ولعل ما يزيد هذا المسلك إثارة للجدل أن المحكمة الدستورية نفسها عادت بعد أشهر قليلة، إلى استحضار المادة 35 في قرارها رقم 37/17، الصادر بتاريخ 11 سبتمبر 2017، بمناسبة فحص النظام الداخلي لمجلس النواب. فقد عرضت عليها الفقرة الرابعة من المادة السابعة من ذلك النظام، التي ألزمت النائب الموجود فعلا في إحدى حالات التنافي بتسوية وضعيته داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ تبليغ قرار المحكمة الدستورية، فصرحت بعدم مخالفتها للدستور، مع مراعاة مقتضيات المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 065.13.
وهنا يستحكم الإشكال، ويغدو السكوت السابق أشد استعصاء على التبرير. فالمحكمة التي لم تجد في أبريل 2017 ما يدعوها إلى استحضار المادة 35 عند التصريح بشغور مقاعد نواب عينوا أعضاء في الحكومة، هي نفسها التي رأت في سبتمبر من السنة ذاتها ضرورة مراعاة هذه المادة عند فحص مقتضى يتعلق بتسوية حالات التنافي داخل مجلس النواب. فأي منزلة قانونية كانت للمادة 35 بين القرارين؟ وهل اكتسبت في سبتمبر من الحجية ما لم يكن لها في أبريل؟ أم أن اختلاف طبيعة الرقابة، بين البت في طلب الشغور وفحص النظام الداخلي، يفسر هذا التباين في التعليل؟ وإذا صح هذا التفسير، فأين بيانه في الاجتهاد القضائي وبأي حجة يمكن إقامة الفصل بين المجالين؟
وليس من التحقيق الفقهي أن ننسب إلى القرار 37/17 ما لم يقض به، أو أن نجعله حكما صريحا بنسخ المادة 14 أو بإبطال النتائج التي انتهى إليها القرار 02/17. فالمحكمة لم تصرح في قرارها رقم 37/17 بنسخ المادة 14، ولم تتراجع صراحة عن النتيجة التي انتهت إليها في قرارها رقم 02/17. غير أن اختلاف طبيعة المسطرة المعروضة عليها في القرارين لا يصلح في ذاته، ذريعة لإهدار الدلالة القانونية لاستحضار المادة 35، ما دام الأمر يتعلق بحالة التنافي نفسها، وبالآثار المترتبة على قيامها وتسويتها. ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في اختلاف موضوع الطلبين القضائيين، لكن في اختلاف المنهج الذي اعتمدته المحكمة في التعامل مع مقتضى تنظيمي واحد أغفلته عند التصريح بالشغور ثم أوجبت مراعاته عند مراقبة أحكام تسوية التنافي.
ويتعين في هذا المقام استحضار قاعدة تقررت في تاريخ الاجتهاد الدستوري المغربي وقررتها المحكمة الدستورية نفسها في القرار 37/17، مؤداها أن مطابقة النظام الداخلي لمجلس النواب للدستور تستلزم مطابقته أيضا للقوانين التنظيمية المنصوص عليها دستوريا. وهي قاعدة بالغة الأهمية في النازلة، لأنها تؤكد أن القانون التنظيمي للحكومة ليس نصا أجنبيا عن تنظيم الوضع القانوني للنائب كلما تعلق الأمر بحالة تناف مشتركة. فإذا كانت المحكمة قد ألزمت النظام الداخلي لمجلس النواب بمراعاة مقتضيات قانون تنظيمي آخر، فكيف يستقيم، من جهة النظر المنهجي، إغفال هذا القانون عند الفصل في آثار الحالة القانونية نفسها؟ وهل يكون واجب التنسيق بين النصوص لازما للمشرع الداخلي، ثم يغدو أمرا اختياريا عند القاضي الذي يتولى تطبيقها؟
على أن هذه المآخذ لا تنهض وحدها دليلا على فساد منطوق القرار 02/17، إذ قد يكون للتمييز بين نشوء التنافي وتسويته والتصريح بالشغور أثر حاسم في ترجيح أحد التأويلين. غير أن سلامة المنطوق إن ثبتت، لا تمنح التعليل حصانة من النقد، ولا تجعل السكوت عن النصوص ذات الصلة فضيلة قضائية. فحجية القرار الدستوري شيء، وكفاية أسبابه واتساقها مع مجموع التشريع النافذ شيء آخر. ومن الغريب أن يختلط الأمران حتى يصبح مجرد صدور الحكم حجة على استقامة جميع مقدماته، وكأن القضاء الدستوري قد أعفي نهائيا من مقتضيات الحجاج القانوني (هذا إن لم يكن غريبا عن منهجه) بمجرد اختصاصه بالفصل النهائي في المنازعة.
ولعل هذه الثغرة في التعليل هي التي فتحت باب الجدل بين الأستاذ والقاضي الدستوري محمد أمين بنعبد الله والفقيه الدستوري مصطفى قلوش؛ فقد اتجه الأول إلى الاحتجاج بلاحقية القانون التنظيمي للحكومة وما يستفاد منها في شأن المادة 14، بينما دافع الثاني عن استمرار نفاذ هذه المادة، وذهب إلى أن المادة 35 تعاني من قصور تشريعي يحول دون تفعيلها على النحو الذي احتج به خصمه. وبين هذين الموقفين تتحدد المسألة التي تستوجب مزيدا من التمحيص: هل نحن أمام نسخ ضمني، أم تخصيص تشريعي، أم قصور في التأويل، أم أن أصل العوار يكمن في بناء تنظيمي لم يحسن المشرع ضبط أحكامه، ثم لم يفلح الاجتهاد الدستوري في إزالة ما علق به من لغط؟
ثالثا: في سجال النسخ الضمني وغميزة الاحتجاج الفقهي: محمد امين بنعبد الله ومصطفى قلوش
لقد أبان الخلاف الذي أثاره التصريح بشغور المقاعد النيابية للبرلمانيين المعينين أعضاء في الحكومة سنة 2017 عن تباين في تصور العلاقة بين القوانين التنظيمية، وحدود إعمال قواعد التفسير والترجيح عند تزاحم أحكامها. وقد برز هذا الخلاف بصورة جلية في السجال الفقهي الذي جمع الأستاذ محمد أمين بنعبد الله والدكتور مصطفى قلوش، على إثر القرار رقم 02/17، حيث اتجه الأول إلى القول بأثر القانون التنظيمي اللاحق في المقتضى السابق، بينما نازع الثاني في قيام النسخ الضمني، ودافع عن استمرار نفاذ المادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب.
ويستفاد مما أورده قلوش في تعقيبه على بنعبد الله أن هذا الأخير بنى اعتراضه على كون القانون التنظيمي رقم 065.13 قد صدر بعد القانون التنظيمي رقم 27.11، وأن المادة 35 منه أقرت أجلا لتسوية وضعية التنافي، بما يجعل التصريح بشغور المقعد النيابي بمجرد التعيين الحكومي، ودون مراعاة هذا الأجل، محل اعتراض قانوني. ومن هذه المقدمة انتهى إلى القول بأن المقتضى اللاحق قد نسخ ضمنيا ما يتعارض معه من أحكام المادة 14. (محمد أمين بنعبد الله، «برلمانيون معينون وزراء: ماذا يقول القانون حقيقة حول شغور المقاعد؟»، جريدة ليكونوميست، 19 يوليوز 2017).
وليس في هذا الاستدلال ما يستوجب الاستبعاد ابتداء، إذ إن النسخ الضمني من الوسائل المعروفة في معالجة تعارض النصوص المتعاقبة. غير أن الاحتجاج به لا يستقيم لمجرد ثبوت اللاحقية الزمنية ما لم يقم الدليل على تعذر الجمع بين المقتضيين. فالقانون اللاحق لا ينسخ السابق لمجرد اختلاف عبارته أو اتساع نطاقه، ذلك أنه يتعين إثبات أن استمرار العمل بهما معا يؤدي إلى نتائج قانونية متعارضة. ومن ثم فإن موطن الضعف المحتمل في أطروحة بنعبد الله يكمن في الانتقال من إثبات اختلاف الأجلين إلى تقرير النسخ دون أن يكون هذا الانتقال لازما بالضرورة. فربما أمكن حمل أحد المقتضيين على تنظيم نشوء حالة التنافي والتصريح بالشغور، وحمل الآخر على تنظيم تسوية وضعيات مختلفة، وهو احتمال لا يجوز إقصاؤه قبل استنفاد النظر فيه.
على أن الاعتراض على أطروحة النسخ الضمني لا يمنح الرأي المقابل صك البراءة من واجب التفسير. فقد دافع قلوش عن استمرار نفاذ المادة 14 وذهب إلى أن المادة 35 وإن كانت قائمة في التشريع التنظيمي، لا تتضمن من الأحكام الإجرائية ما يسمح بتفعيلها في حالة النائب المعين عضوا في الحكومة على الوجه الذي ذهب إليه بنعبد الله. (مصطفى قلوش، «حالة التنافي من وجهة نظر قضاة المحكمة الدستورية ورؤية الأستاذ بنعبد الله»، هسبريس، 5 أكتوبر 2017). وهنا يثور سؤال لا يقل حرجا عن سابقه: هل يصلح القصور الإجرائي المفترض في نص تشريعي سببا لتعطيل أثره القانوني أم أن هذا القصور نفسه يوجب البحث عن تأويل يتيح إعمال النص في حدود ما تسمح به أحكامه؟
فإذا كانت المادة 35 قد ألزمت عضو الحكومة بتسوية وضعية التنافي داخل اجل محدد فإن القول باستحالة تطبيقها يقتضي بيان مصدر هذه الاستحالة ومدى تعلقها بغياب المسطرة أو بطبيعة التنافي نفسه... أما الاكتفاء بالاحتجاج بأن المادة 14 قد رسمت طريقا مخصوصا للتصريح بالشغور ففيه قدر من المصادرة على المطلوب، لأن موضع الخلاف هو بالضبط ما إذا كانت تلك المسطرة قابلة للتفعيل دون مراعاة الأجل المقرر في القانون التنظيمي اللاحق. ولا يستقيم أن نجعل من النص المختلف في نطاق تطبيقه حجة قاطعة على استبعاد النص الذي ينازعه.
ولعل من أوجه القوة في مؤاخذة قلوش لبنعبد الله أنه أعاد النقاش إلى موقع هذا الأخير داخل المجلس الدستوري حين عرض عليه القانون التنظيمي رقم 065.13. فبنعبد الله لم يكن مجرد فقيه يعلق على نص تشريعي من خارج المؤسسة، فقد كان عضوا في الهيئة التي تولت فحص دستوريته وشارك في إصدار القرار رقم 955/15 الذي أقر سلامة مقتضياته بما فيها المادة 35. ومن ثم فإن التساؤل عن سبب عدم إثارة ما قد ينشأ عن هذه المادة من تعارض مع المادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب أثناء الرقابة القبلية، تساؤل له وجاهته الفقهية والمؤسساتية. وأي غميزة أشد من أن يستبين الفقيه بعد مغادرته موقع الرقابة الدستورية، إشكالا تشريعيا كان قائما حين كان من أهل النظر فيه؟ على أن هذه المؤاخذة مهما بلغت حدتها لا تكفي لإثبات موقفه الفردي أثناء المداولة، ولا تعفي من مناقشة حجته القانونية اللاحقة في ذاتها. فالعبرة في نهاية المطاف بما إذا كان تأويله للنصوص يستقيم مع أحكامها، وليس بمجرد الحرج الذي قد يثيره موقعه السابق.
غير أن الفقيه قلوش وهو يؤاخذ بنعبد الله على ما اعتبره اضطرابا في الاستدلال يضع نفسه أمام مفارقة لا تخلو بدورها من حرج فقهي. فقد دافع عن سلامة النتيجة التي انتهت إليها المحكمة الدستورية في القرار 02/17، ثم وجه إليها مؤاخذة شديدة بسبب إغفال المادة 35، مستعملا في هذا السياق وصف التدليس. ولا مرية أن صحة النتيجة القضائية لا تستلزم بالضرورة سلامة جميع مقدمات التعليل، وأن من الجائز فقهيا تأييد منطوق قرار مع انتقاد أسبابه. غير أن وصف التدليس بما ينطوي عليه من إيحاء بالتعمد في إخفاء ما ينبغي إظهاره يقتضي أكثر من مجرد إثبات السكوت عن مقتضى تشريعي. فإذا كان إغفال المادة 35 لا يؤثر في تقدير قلوش، في صحة التصريح بالشغور فما وجه الانتقال من مؤاخذة المحكمة على قصور التعليل إلى وصف مسلكها بالتدليس؟ وإن كان الإغفال من الجسامة بحيث يستحق هذا الوصف أفلا يستوجب ذلك إعادة فحص الأساس القانوني الذي قامت عليه النتيجة نفسها؟
وهذه المفارقة لا تحسم الخلاف لمصلحة بنعبد الله، كما لا تنقض بالضرورة دفاع قلوش عن المادة 14، لكنها تكشف عن حاجة الموقفين معا إلى قدر أكبر من الانضباط في ترتيب النتائج على المقدمات. فلا النسخ الضمني يثبت بمجرد اللاحقية ولا استمرار نفاذ النص السابق يجيز إهدار آثار النص اللاحق ولا قصور التعليل القضائي ينهض دون قرائن إضافية، دليلا على التدليس. ولعل العوار المشترك في هذا السجال أن كلا الطرفين جعل من المقتضى الذي يرجحه نقطة ارتكاز لتفسير المقتضى الآخر، بينما كان الأجدر أن يبدأ البحث بتحديد الوظيفة القانونية لكل نص، ثم اختبار إمكان الجمع بينهما قبل الاحتكام إلى قواعد الترجيح.
وتزداد هذه الحاجة إلحاحا إذا استحضرنا أن المحكمة الدستورية واصلت، بعد ذلك، تطبيق المادة 14 في قرارات لاحق ومن بينها القرار رقم 141/21 الصادر بتاريخ 2 نوفمبر 2021 الذي صرحت بموجبه بشغور مقاعد نواب عينوا أعضاء في الحكومة دون أن تستحضر في تعليلها المادة 35 أو تبين وجه استبعادها. وهكذا استمر المسلك القضائي الذي أثار الجدل سنة 2017 رغم أن المحكمة كانت قد أكدت في قرارها رقم 37/17 ضرورة مراعاة المادة 35 عند فحص مقتضيات تسوية التنافي في النظام الداخلي لمجلس النواب. وهو استمرار يجعل الإشكال متعلقا بمنهج قضائي متكرر ويمنح الجدل الفقهي أهمية تتعدى مناسبة صدوره الأولى.
وإذا كان هذا السجال قد أبان عن حدود الاحتجاج بالنسخ الضمني وعن صعوبة التوفيق بين المقتضيين فإن حسمه يقتضي الانتقال إلى مسألة لم تنل فيما يبدو، ما تستحقه من التمحيص، وهي الطبيعة القانونية لأجل التسوية المنصوص عليه في المادة 35، وما إذا كان مجرد مهلة لإنهاء وضعية تناف قائمة، أم أجلا يحول خلال سريانه، دون ترتيب الأثر النهائي المتمثل في فقدان المقعد النيابي. ففي هذا التمييز، وما يتفرع عنه من آثار يكمن أحد المفاتيح الأساسية لفهم نازلة مديحة خيير.
رابعا: في تعدد الأنظمة القانونية للتنافي وحدود إعمال أجل التسوية في حالة التعيين الحكومي
أفضى النظر في أحكام التنافي وما أثارته المادتان 14 و35 من خلاف فقهي بشأن النسخ الضمني وحدود التوفيق بين مقتضياتهما، إلى مسألة تستوجب مزيدا من التحقيق، تتعلق بالطبيعة القانونية للتسوية وموقعها ضمن الأحكام المنظمة لفقدان العضوية النيابية. ذلك أن المشرع لم يعالج جميع حالات التنافي بمسطرة واحدة، وإنما أفرد لبعضها أحكاما مخصوصة، وميز في ترتيب آثارها بين التصريح بالشغور والإقالة والتجريد، وربط بعضها بالتزام سابق بتسوية الوضعية القانونية. ولهذا التمييز أثر في تحديد نطاق المادة 35، وفي تقدير مدى انطباق أجلها على حالة التنافي الناشئة عن التعيين الحكومي، خصوصا أن المادة 14 أقامت لهذه الحالة مسطرة مستقلة للتصريح بشغور المقعد النيابي.
ويقتضي ذلك إعادة فحص العلاقة بين المقتضيين من زاوية لم يستنفذها السجال السابق، بالنظر في احتمالين يسمح بهما البناء التشريعي: أولهما إعمال عمومية المادة 35 على حالات التنافي المنصوص عليها في القانون التنظيمي للحكومة، وثانيهما الاعتداد بخصوصية المادة 14، وما قد يكشفه عموم الصياغة في المادة 35 من قصور في التنسيق بين القانونين التنظيميين. ولا يقتضي بحث هذين الاحتمالين التسليم مسبقا بأن أجل التسوية يحول دون التصريح بالشغور، أو أن خصوصية مسطرة الشغور تستبعد بالضرورة كل أثر للمادة 35. وإنما يتعين ضبط مجال كل مقتضى قبل ترتيب النتائج القانونية عليه.
1. في اختلاف مساطر التنافي وآثارها القانونية
بالرجوع إلى أحكام القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، يتبين أن المشرع لم يستعمل عبارات التصريح بالشغور والتسوية والإقالة والتجريد على سبيل الترادف، وإنما ربط كلا منها بأسباب وشروط وإجراءات مخصوصة. فقد أفرد للتعيين الحكومي، بموجب الفقرتين الأولى والثانية من المادة 14، مقتضى يتعلق بالتصريح بشغور المقعد النيابي، وأسند البت فيه إلى المحكمة الدستورية بناء على طلب رئيس مجلس النواب، بينما أخضع صورا أخرى من التنافي لأحكام تقتضي تسوية الوضعية داخل أجل محدد، ورتب على عدم احترامها الآثار التي عينها القانون. كما أن التجريد من العضوية، متى تعلق بقبول مهمة متنافية أثناء الانتداب، يخضع بدوره للمقتضيات التي حددت سببه ومجال تطبيقه. ومن ثم، فإن اختلاف هذه التعابير يجد أساسه في اختلاف النظام القانوني الذي يحكم كل حالة، وإن أمكن أن تفضي بعض تلك المساطر إلى نتيجة مشتركة تتمثل في شغور المقعد.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند قراءة المادة 14 في علاقتها بالمادتين 17 و18 من القانون التنظيمي نفسه. فالفقرة الأولى من المادة 17 حددت حالات التنافي التي تستوجب من النائب، عند انتخابه، إثبات استقالته من المهام المتنافية أو طلب وضعه في حالة الإلحاق داخل الأجل القانوني، وأحالت صراحة على الفقرة الثانية من المادة 13، والفقرة الثالثة من المادة 14، والمادتين 15 و16. ولم تشمل هذه الإحالة الفقرتين الأولى والثانية من المادة 14 المتعلقتين بالتنافي بين العضوية الحكومية والنيابية ومسطرة التصريح بالشغور. أما الفقرة الأخيرة من المادة 17، فقد رتبت التجريد بحكم القانون على قبول مهمة متنافية أثناء الانتداب أو مخالفة أحكام المادة 20، وهو حكم يتعين تحديد مجاله في ضوء المسطرة الخاصة التي أفردها المشرع للتعيين الحكومي.
وتنظم المادة 18 تدخل المحكمة الدستورية في الإقالة والتجريد، كما تسند إليها الفصل في وجود حالة التنافي عند الشك أو النزاع، مع ما يترتب على ثبوتها من التزام بالتسوية وفق الأحكام المقررة قانونا. وهذه المقتضيات تؤكد أن المشرع ميز بين مسطرة التصريح بالشغور بسبب التعيين الحكومي، وبين المساطر الأخرى التي قد تتوقف آثارها على عدم تسوية الوضعية داخل الأجل القانوني. وليس من سلامة التأويل أن يستعير الفقيه حكما مقررا لحالة مخصوصة، ثم ينزله على حالة أخرى أفرد لها المشرع مسطرة مستقلة، دون أن يقيم الدليل على اتحاد مناطهما.
2. في عمومية المادة 35 وخصوصية مسطرة التصريح بالشغور
غير أن هذا التمييز، على ما له من وجاهة في قراءة القانون التنظيمي لمجلس النواب، يصطدم بعمومية الصياغة التي اعتمدتها المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها. فقد أورد المشرع أجل التسوية في صيغة تشمل، بحسب ظاهرها، حالات التنافي المنصوص عليها في الباب المعني، دون أن يستثني صراحة حالة الجمع بين العضوية الحكومية والعضوية البرلمانية التي أقرتها المادة 32. وهنا يعود الإشكال الذي أثاره السجال الفقهي السابق، ولكن من وجه آخر يتعلق بمدى انطباق الحكم العام للتسوية على حالة أخضعها المشرع، في قانون تنظيمي آخر، لمسطرة خاصة للتصريح بالشغور.
ويحتمل هذا التنظيم تأويلين يستوجب كل منهما التمحيص. أولهما أن عمومية المادة 35 تنصرف إلى جميع حالات التنافي الواردة في الباب الذي أحالت عليه، بما فيها العضوية البرلمانية، وأن المشرع لم يجز استبعاد هذه الحالة من أجل التسوية دون مقتضى صريح. وثانيهما أن خصوصية النظام الذي أقامته المادة 14 للتعيين الحكومي تقتضي التمييز بين التصريح بالشغور وبين تسوية حالات التنافي الأخرى، وأن عمومية المادة 35 قد تكون ناشئة عن قصور في التنسيق التشريعي بين القانونين التنظيميين، لا عن إرادة إلحاق جميع الحالات بمسطرة واحدة.
وليس في مجرد تأخر صدور القانون التنظيمي للحكومة ما يكفي لترجيح التأويل الأول، كما أن خصوصية المادة 14 لا تنهض وحدها دليلا قاطعا على استبعاد حكم المادة 35. وإنما يتعين النظر في موضوع كل مقتضى، والآثار التي رتبها المشرع عليه، ومدى إمكان الجمع بينهما دون تعطيل أحدهما أو تحميله حكما لم يرد في عبارته. وعلى هذا الأساس ينبغي أن يقع التحقيق في مدلول التسوية، وما إذا كانت تتناول حالة التعيين الحكومي بالكيفية نفسها التي تتناول بها سائر حالات التنافي، أم أن اختلاف المساطر يقتضي تقييد عمومها في هذا الموضع.
ويجد التأويل الأول سنده في عبارة المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 065.13، التي أوجبت على عضو الحكومة الموجود في إحدى حالات التنافي المنصوص عليها في الباب المعني تسوية وضعيته داخل أجل لا يتعدى ستين يوما، يحتسب من تاريخ تنصيب مجلس النواب للحكومة أو من تاريخ تعيين عضو الحكومة المعني، حسب الحالة. ولما كانت المادة 32 قد أدرجت العضوية في أحد مجلسي البرلمان ضمن حالات التنافي مع الوظيفة الحكومية، فإن حمل المادة 35 على عموم عبارتها يؤدي إلى شمولها لهذه الحالة أيضا. ويصعب، من جهة الصياغة وحدها، استخلاص استثناء لم يورده المشرع صراحة، أو افتراض أنه قصد بعض حالات التنافي دون غيرها، مع أنه استعمل عبارة جامعة وأحال على الباب بأكمله.
غير أن التسليم بهذا التأويل يثير صعوبة تتعلق بالأثر الذي يمكن أن يرتبه أجل التسوية على المسطرة المقررة في المادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب. فهذه المادة لم تجعل التصريح بالشغور متوقفا على امتناع النائب المعين عضوا في الحكومة عن تسوية وضعيته، وإنما ربطته بواقعة التعيين، وأسندت إلى المحكمة الدستورية إعلان الشغور، بطلب من رئيس مجلس النواب، داخل أجل شهر. ولا ينبغي الخلط هنا بين أجل مباشرة طلب التصريح بالشغور، وبين أجل التسوية الممنوح لعضو الحكومة، كما أن صياغة المادة 14 تستوجب التمييز بين الأجل الذي يحيط بمسطرة الشغور وبين الآثار التي يمكن ترتيبها على انقضائه. وإذا اعتبرنا أن أجل الستين يوما يمنع التصريح بالشغور قبل انصرامه، فإننا نكون قد أضفنا إلى المادة 14 شرطا لم يرد فيها، وجعلنا تطبيقها خاضعا لمقتضى لاحق لا يتضمن نصا صريحا بتعليق مسطرة الشغور أو تأجيلها.
ويستند التأويل الثاني إلى هذه الخصوصية، وإلى اختلاف الأحكام التي رتبها المشرع على حالات التنافي. فالمادة 14 أقامت للتعيين الحكومي مسطرة محددة، بينما ارتبطت التسوية، في حالات أخرى، بإمكان إزالة سبب التنافي قبل ترتيب الجزاء المقرر قانونا. ولا يجوز إغفال هذا الاختلاف عند البحث في مدلول المادة 35، لأن إعمال عمومها على إطلاقه قد يؤدي إلى إخضاع مسطرة التصريح بالشغور لأجل لا يتفق مع الأجل الذي خصصه المشرع نفسه لهذه المسطرة. ولعل هذا التداخل يكشف عن هفوة في التنسيق التشريعي بين القانونين التنظيميين، وإن كان الجزم بذلك يقتضي دليلا على إرادة المشرع لا توفره الصياغة التشريعية وحدها.
3. في الاجتهاد الدستوري وحدود التوفيق بين أجل التسوية والتصريح بالشغور
وقد أتاح الاجتهاد الدستوري مجالا لاختبار هذين التأويلين، دون أن يقدم، فيما يبدو من القرارات محل النظر، جوابا صريحا يحسم جميع آثارهما. ففي القرار رقم 02/17 الصادر بتاريخ 12 أبريل 2017، نظرت المحكمة الدستورية في طلب التصريح بشغور مقاعد عدد من النواب الذين عينوا أعضاء في الحكومة. وبعد استحضار مقتضيات المادة 14 والظهير المتعلق بتعيين أعضاء الحكومة، اعتبرت أن التعيين جعل المعنيين في وضعية تناف، وصرحت تبعا لذلك بشغور مقاعدهم. ولم يتضمن تعليلها إحالة على المادة 35 أو بحثا في أجل التسوية الذي تقرره، رغم أن القانون التنظيمي للحكومة كان نافذا عند صدور القرار.
وفي المقابل، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 37/17 بتاريخ 11 سبتمبر 2017، بمناسبة مراقبة النظام الداخلي لمجلس النواب، واعتبرت أن الفقرة الرابعة من مادته السابعة، التي تلزم النائب الموجود في حالة تناف بتسوية وضعيته داخل خمسة عشر يوما من تاريخ تبليغ قرار المحكمة الدستورية، لا تخالف الدستور، مع مراعاة مقتضيات المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 065.13. وهذه الإحالة صريحة في اعتداد المحكمة بأجل التسوية المقرر لأعضاء الحكومة، لكنها وردت بمناسبة مراقبة قاعدة عامة تتعلق بتسوية وضعية التنافي، ولم تقترن بتفسير يحدد أثرها على مسطرة الشغور الخاصة بالتعيين الحكومي.
ويتعين الاحتراز، في هذا الموضع، من استخلاص تناقض قضائي بمجرد اختلاف الإحالة إلى المادة 35 بين القرارين. فالقرار 02/17 صدر في إطار اختصاص المحكمة بالتصريح بشغور مقاعد نيابية على إثر التعيين الحكومي، بينما تعلق القرار 37/17 بالمراقبة القبلية لمطابقة النظام الداخلي لمجلس النواب للدستور والقوانين التنظيمية. واختلاف موضوع الرقابة وطبيعة المقتضى المعروض قد يفسر اختلاف التعليل. غير أن هذا التمييز لا يرفع الإشكال التشريعي القائم، لأن المحكمة، حين استحضرت المادة 35 في القرار الثاني، لم تبين ما إذا كانت تقصد امتداد أجلها إلى حالة التنافي المنصوص عليها في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 14، أم اقتصرت على التنبيه إلى وجوب مراعاتها في الحالات التي تكون فيها التسوية مقررة قانونا.
ويزداد هذا الاحتمال وجاهة بالنظر إلى أن الفقرة الرابعة من المادة السابعة للنظام الداخلي ربطت أجل الخمسة عشر يوما بتبليغ قرار المحكمة الدستورية، بينما تنطلق مسطرة الشغور الناشئ عن التعيين الحكومي من واقعة التعيين ذاتها، ويصدر القرار القضائي فيها للتصريح بالشغور، لا لتوجيه العضو إلى تسوية وضعيته داخل أجل لاحق. ومن ثم، فإن حمل الإحالة الواردة في القرار 37/17 على جميع صور التنافي، بما فيها الحالات التي سبق أن خصها المشرع بمسطرة مستقلة، يحتاج إلى تعليل لم تقدمه المحكمة في ذلك القرار.
ولا يستقيم، في تقديرنا، أن نحتج بصمت المحكمة في القرار 02/17 دليلا قاطعا على استبعاد المادة 35، كما لا يصح أن نجعل مجرد ذكرها في القرار 37/17 حجة نهائية على تعطيل مسطرة المادة 14. فالصمت لا يفيد بالضرورة الرفض، والإحالة العامة لا تكفي وحدها لتحديد نطاق التطبيق. وما يمكن استخلاصه من القرارين أن المحكمة أجرت مسطرة الشغور على أساس واقعة التعيين الحكومي، واعتدت في موضع آخر بأجل التسوية، دون أن تفصل صراحة في كيفية الجمع بين المقتضيين عند اجتماعهما في حالة واحدة.
4. في عوار التنسيق التشريعي وحدود الحسم القضائي
وتكشف هذه القراءة عن موطن العوار في التنظيم التشريعي للتنافي. فقد أورد المشرع أحكاما تتصل بالموضوع نفسه في قانونين تنظيميين، دون أن يضبط على نحو كاف العلاقة بين أجل التصريح بالشغور وأجل تسوية الوضعية، أو يحدد صراحة ما إذا كان أحدهما يستثني الآخر. وإذا كان بالإمكان تأويل النصين بما يحفظ لكل منهما مجال تطبيقه، فإن ذلك يظل عملا فقهيا يستند إلى قواعد التفسير، ولا يغني عن تدخل تشريعي يرفع الغموض ويمنع اختلاف النتائج بحسب المقتضى الذي يقع تقديمه في التأويل.
وعلى أن أهمية هذا الخلاف لا ينبغي أن تحجب مسألة أخرى أشد اتصالا بالنازلة موضوع البحث، تتعلق بالأثر القانوني لزوال الصفة الحكومية التي نشأ عنها التنافي قبل صدور القرار القضائي بالتصريح بالشغور. فحتى مع ترجيح خصوصية المادة 14 وعدم تعليق تطبيقها على أجل التسوية، يبقى التساؤل قائما بشأن ما إذا كانت واقعة التعيين تنتج بذاتها أثرا نهائيا في العضوية النيابية، لا يبقى للقضاء الدستوري معه سوى التصريح بما تحقق، أم أن زوال الصفة الحكومية قبل البت في الطلب يمكن أن يؤثر في موضوع التصريح بالشغور وموجبه القانوني. وهي مسألة يتعين بحثها في ضوء الاجتهاد الدستوري المتعلق باكتساب الصفة الحكومية وزوالها، وبالآثار المترتبة على صدور قرار الشغور، قبل تنزيل نتائجها على حالة مديحة خيير.
خامسا: في أثر التعيين الحكومي والإعفاء السابق للتصريح بالشغور: نازلة مديحة خيير في ضوء الاجتهاد الدستوري
تتميز نازلة مديحة خيير عن الحالات التي جرى فيها التصريح بشغور المقاعد النيابية إثر التعيين الحكومي بواقعة الإعفاء الذي أعقب التعيين وقبل حصول الحكومة على التنصيب البرلماني. ويثير هذا التعاقب سؤالين متصلين: أولهما يتعلق باللحظة التي تنشأ فيها الصفة الحكومية الموجبة للتنافي، وثانيهما بأثر زوال هذه الصفة قبل أن تفصل المحكمة الدستورية في شغور المقعد النيابي.
1. في التعيين الحكومي وإشكالية التنصيب البرلماني
يقتضي النظر في هذه المسألة استحضار الفصلين 47 و88 من الدستور، وما يرتبه كل منهما من آثار على تكوين الحكومة ومباشرتها لمهامها. فالفصل 47 ينظم تعيين رئيس الحكومة وأعضائها، بينما يربط الفصل 88 مباشرة الحكومة لمهامها بحصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بالتصويت لصالح البرنامج الحكومي. ويثير الجمع بين المقتضيين سؤالا بشأن الأثر القانوني للتعيين السابق للتنصيب، ومدى كفايته لترتيب حالات التنافي المرتبطة بالعضوية الحكومية. وقد سبق للمجلس الدستوري أن تناول هذه المسألة في قراريه رقم 825/12 و827/12، واتجه إلى الاعتداد بالتعيين الحكومي في تحديد قيام الصفة الحكومية الموجبة للتنافي، دون اشتراط حصول الحكومة على التنصيب البرلماني. ففي القرار رقم 825/12 المتعلق بعبد الإله بنكيران، اعتبر المجلس أن تعيينه رئيسا للحكومة لا يكفي وحده لقيام حالة التنافي، ما دامت الحكومة لم تستكمل تشكيلها بتعيين أعضائها، وأن اكتساب الصفة الحكومية الموجبة للتنافي يرتبط بهذا التعيين. وبعد تعيين أعضاء الحكومة، صرح المجلس في قراره رقم 827/12 بشغور المقاعد النيابية المعنية، دون انتظار التنصيب البرلماني. واستمر هذا الاتجاه في الممارسة القضائية اللاحقة.
غير أن هذا الاجتهاد لا يمنع من مناقشة أساسه الدستوري. فاشتراط حصول الحكومة على ثقة مجلس النواب قبل مباشرة مهامها يقتضي التمييز بين اكتساب صفة عضو في الحكومة وبين ممارسة الاختصاصات الحكومية. ويترتب على ذلك أن عدم مباشرة المهام لا ينفي بالضرورة قيام الصفة الحكومية، ما دام التعيين قد تم وفق الأحكام الدستورية المقررة. ومع ذلك، فإن الاعتداد بالتعيين وحده لإحداث أثر نهائي في الانتداب النيابي يظل قابلا للمساءلة الفقهية، خصوصا عندما تزول الصفة الحكومية قبل حصول التنصيب. فالدستور ربط ممارسة الحكومة لمهامها بثقة مجلس النواب، بينما اتجه القضاء الدستوري إلى ترتيب التنافي على التعيين السابق لهذه الثقة. ولا يكفي للاعتراض على هذا الاتجاه مجرد الاستناد إلى الفصل 88، ما لم يثبت أن أحكامه تمنع نشوء الصفة الحكومية قبل التنصيب، وهو ما لا تقرره عبارته صراحة.
وعليه، فإن الدفع بعدم قيام التنافي بسبب غياب التنصيب البرلماني وحده لا يبدو كافيا لمواجهة الاجتهاد الدستوري القائم. وتنتقل المسألة إلى أثر الإعفاء الذي أعقب التعيين، وما إذا كان من شأنه التأثير في مسطرة الشغور قبل صدور القرار القضائي.
2. في زوال الصفة الحكومية قبل البت في التنافي: حدود الاستدلال بقرار إدريس لشكر
تكتسي واقعة الإعفاء أهمية قانونية مستقلة عن مسألة التنصيب، لأنها تؤدي إلى زوال إحدى الصفتين اللتين يقوم عليهما التنافي. وقد سبق للمجلس الدستوري أن واجه وضعا له صلة بهذا الإشكال في القرار رقم 824/11 المتعلق بإدريس لشكر، حين زالت الصفة الحكومية أثناء نظره في طلب البت في وجود حالة التنافي. وانتهى إلى عدم وجود موجب للاستمرار في الفصل في الطلب بعد زوال الحالة التي كان موضوعا لها. غير أن الاحتجاج بهذا القرار في نازلة مديحة خيير يستوجب مراعاة اختلاف المسطرة القانونية. فالقرار المذكور تعلق بطلب البت في وجود حالة تناف، بينما تتعلق النازلة الحالية بمسطرة التصريح بشغور مقعد نيابي بسبب التعيين الحكومي.
وهذا الاختلاف ليس شكليا، لأن موضوع الفصل القضائي وأثره القانوني يختلفان في الحالتين. ففي المسطرة الأولى يكون النظر منصبا على وجود حالة التنافي، أما في الثانية فيتعلق الأمر بالتصريح بالشغور استنادا إلى واقعة تعيين رتب عليها المشرع حكما مخصوصا. ومع ذلك، فإن اختلاف المسطرتين لا يسوغ إهدار الدلالة التي يمكن استخلاصها من القرار 824/11، وهي أن تغير المركز القانوني أثناء نظر القضاء الدستوري في طلب متعلق بالتنافي قد تكون له آثار في موضوع الطلب نفسه. غير أن نقل هذه الدلالة إلى مسطرة الشغور يتطلب إقامة الحجة على أن زوال الصفة الحكومية قبل صدور القرار يمنع ترتيب الأثر الذي نصت عليه المادة 14.
3. في الطبيعة القانونية لقرار الشغور وأثر الإعفاء السابق لصدوره
إن الإشكال الحاسم في النازلة يتعلق بما إذا كان قرار المحكمة الدستورية مجرد تصريح بآثار قانونية تحققت منذ تاريخ التعيين الحكومي، أم أن صدوره يمثل المرحلة التي يكتمل بها فقدان المقعد النيابي. وقد يستند اتجاه معين إلى أن المادة 14 ربطت الشغور بواقعة التعيين، بما يجعل القرار القضائي كاشفا عن أثر نشأ بموجب القانون. وعلى هذا الأساس، فإن الإعفاء اللاحق لا يزيل الواقعة التي تحقق بها سبب الشغور، ولو صدر قبل قرار المحكمة.
أما الاتجاه الثاني فقد يستند إلى أن المشرع أسند التصريح بالشغور إلى المحكمة الدستورية ولم يقرر سقوط العضوية النيابية تلقائيا بمجرد صدور قرار التعيين الحكومي. ومن ثم، فإن المركز القانوني للنائب يظل معروضا على القضاء الدستوري إلى حين صدور قراره، وهو ما يثير السؤال عن مدى وجوب الاعتداد بزوال الصفة الحكومية خلال هذه المرحلة. وقد سبق أن ميزنا بين زوال الصفة الحكومية قبل التصريح بالشغور وزوالها بعده، ولا موجب لإعادة مناقشة حجية القرارات القضائية في هذا المقام.
وفي هذا السياق، يستحق قرار المجلس الدستوري رقم 817/2011 الاستحضار، إذ قضى بعدم دستورية المقتضى الذي كان يتيح للنائب المعين عضوا في الحكومة استرجاع صفته النيابية بعد انتهاء مهامه الحكومية. غير أن دلالة هذا القرار ينبغي ضبطها في حدود موضوعه، فقد تعلق بإمكان استرجاع العضوية بعد فقدانها، ولم يفصل في أثر الإعفاء السابق لصدور قرار التصريح بالشغور. ولذلك لا يصح اتخاذه حجة قاطعة على أن مجرد التعيين الحكومي يرتب فقدانا نهائيا للمقعد، ولو زالت الصفة الحكومية قبل الفصل القضائي، كما لا يجوز إهدار ما قرره بشأن عدم جواز استرجاع العضوية بعد تحقق فقدانها وفق الأحكام القانونية المقررة.
وهكذا تنتهي دراسة النازلة إلى مسألة لم نجد في القرارات المستحضرة حكما مباشرا يستنفد جميع وجوهها: هل يكفي تحقق التعيين الحكومي، ولو أعقبه إعفاء قبل التصريح بالشغور، لترتيب فقدان المقعد النيابي، أم أن زوال الصفة الحكومية قبل الفصل القضائي يقتضي الاعتداد بانتهاء حالة الجمع المحظور؟ والجواب عن هذا السؤال يستوجب الانتقال من عرض النصوص والاجتهادات إلى الترجيح الفقهي، مع مواجهة الحجج التي يقوم عليها كل تأويل.
سادسا: في الترجيح الفقهي وحكم النازلة: أثر زوال الصفة الحكومية قبل التصريح بالشغور النيابي
تضعنا نازلة مديحة خيير أمام مسألة لم يقدم بشأنها القضاء الدستوري، في القرارات التي تناولناها، جوابا مباشرا. فقد اكتسبت المعنية بالأمر الصفة الحكومية بالتعيين، ثم زالت عنها بالإعفاء قبل صدور قرار قضائي بالتصريح بشغور مقعدها النيابي. ولا خلاف، في ضوء الاتجاه الذي اعتمده القضاء الدستوري، بشأن قيام حالة التنافي عند التعيين. وإنما يقع الخلاف في استمرار الأثر القانوني لهذه الواقعة بعد زوال الصفة الحكومية، ومدى جواز التصريح بشغور المقعد استنادا إلى حالة تناف لم تعد قائمة عند نظر المحكمة في الطلب.
وقد ازدادت النازلة دقة بما تعاقب فيها من وقائع قانونية. فبمقتضى الظهير الشريف رقم 1.26.91، جرى تعيين مديحة خيير عضوا في الحكومة ابتداء من 16 أكتوبر 2026، ثم أعفيت من مهامها ابتداء من 18 أكتوبر بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.93. وقد صدر الظهيران في 21 أكتوبر ونشرا في الجريدة الرسمية بتاريخ 22 أكتوبر 2026. وفي 21 أكتوبر تداولت الصحافة خبر إحالة وضعيتها، ضمن النواب المعينين أعضاء في الحكومة، على المحكمة الدستورية، أي بعد التاريخ المحدد لسريان الإعفاء، وإن لم يثبت لدينا تاريخ تسجيل الإحالة رسميا. ولم يكن قد صدر، عند تحرير هذه الدراسة، قرار قضائي بالتصريح بشغور مقعدها.
1. في التعيين الحكومي وحدود الأثر المترتب عليه
إن أقوى ما يحتج به الاتجاه القائل بشغور المقعد النيابي، رغم الإعفاء السابق لصدور القرار القضائي، أن المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 ربطت التنافي بالتعيين الحكومي، ولم تشترط استمرار الصفة الحكومية إلى حين صدور قرار المحكمة الدستورية. وقد جرى الاجتهاد الدستوري على الاعتداد بواقعة التعيين، ورتب عليها التصريح بشغور المقاعد النيابية، دون انتظار التنصيب البرلماني للحكومة. فالتعيين واقعة قانونية تحققت بالفعل، ولا يؤدي الإعفاء اللاحق إلى محوها من التاريخ القانوني. وإذا كان المشرع قد رتب عليها قيام التنافي ومسطرة الشغور، فإن القول بزوال آثارها بمجرد الإعفاء يفتقر إلى سند يجيز ذلك. كما أن الاعتداد بالإعفاء السابق للحكم قد يفضي إلى اختلاف النتائج بحسب توقيت صدور القرار القضائي، مع اتحاد الواقعة المنشئة للتنافي.
غير أن هذا الاستدلال ينطوي على مصادرة على المطلوب، إذ يجعل من تحقق التعيين دليلا على نهائية الشغور، مع أن نهائية هذا الأثر هي عين المسألة المتنازع فيها. فالمادة 14 حددت الواقعة التي تستدعي التصريح بالشغور، لكنها لم تعالج صراحة أثر زوال الصفة الحكومية قبل الفصل القضائي. ولا يسوغ أن يستخلص من سكوت النص حكم لم يصرح به، ثم يتخذ هذا الحكم المفترض حجة لإهدار ما طرأ على المركز القانوني للمعنية بالأمر من تغيير. وفي ذلك دوران في الاستدلال وافتئات على ما لم يحسمه المشرع. ثم إن إسناد التصريح بالشغور إلى المحكمة الدستورية يجعل تدخلها لازما للفصل في الوضعية القانونية للمقعد وفق المسطرة المقررة. ولا يلزم من ذلك أن يكون قرارها منشئا للشغور، كما أن وصفه بالكاشف لا يعفي من البحث في شروط إنتاج الواقعة المنشئة لأثرها القانوني. فالكشف عن تحقق سبب الشغور يقتضي ضبط مناطه، والنظر فيما إذا كان أثره يستقر بمجرد حصول التعيين، أو يتأثر بزوال الصفة الحكومية قبل صدور القرار. أما اتخاذ الطبيعة الكاشفة للقرار مقدمة لإثبات نهائية الشغور، ثم الاستدلال بهذه النهائية على عدم الاعتداد بالإعفاء، فليس إلا إعادة للنتيجة في صورة دليل.
2. في زوال الصفة الحكومية وأثره على موجب التصريح بالشغور
يقوم التنافي، من حيث أصله القانوني، على منع الجمع بين صفتين اعتبر المشرع اجتماعهما غير جائز. وفي حالة العضوية الحكومية والنيابية، فإن تعيين النائب عضوا في الحكومة ينشئ هذا الجمع، بينما ينهي الإعفاء إحدى الصفتين اللتين قام عليهما. ومن ثم، فإن زوال الصفة الحكومية قبل التصريح بالشغور يقتضي النظر في استمرار الموجب القانوني لإنهاء العضوية النيابية بعد انتفاء حالة الجمع. وقد يقال إن الغاية من التنافي تشمل الفصل بين المركزين القانونيين ومنع انتقال النائب إلى الحكومة مع احتفاظه بمقعده. وهذه قراءة لها وجهها، ويعضدها اختيار المشرع مسطرة التصريح بالشغور عوض الاكتفاء بتعليق ممارسة المهام النيابية طوال مدة العضوية الحكومية. غير أن لهذا الاستدلال حده؛ إذ لا يستفاد من اختيار مسطرة الشغور، بمجرده، أن المشرع قصد إهدار أثر الإعفاء السابق للحكم، أو جعل واقعة التعيين سببا نهائيا لفقدان المقعد في جميع الأحوال. فإذا كان المشرع قد أراد أن يرتب على مجرد اكتساب الصفة الحكومية فقدان العضوية النيابية على وجه لا يقبل الاعتداد بزوالها قبل الفصل القضائي، فإن هذا الحكم ينبغي أن يقوم على نص أو اجتهاد دستوري واضح. ولا يكفي الاحتجاج بأن الإعفاء لا يمحو واقعة التعيين؛ إذ بقاء الواقعة في التاريخ القانوني لا يستلزم بقاء جميع آثارها، ما لم يقم الدليل على أن المشرع أراد استمرارها ولو انتفى موجبها. وإلا كان في ذلك تحميل للنص ما لا تحتمله عبارته، وتوسيع لأثر التنافي بغير حجة قاطعة.
وتزداد المسألة دقة بالنظر إلى أن الإحالة التي تحدثت عنها الصحافة في 21 أكتوبر جاءت بعد التاريخ الذي حدده ظهير الإعفاء لسريان أثره. وقد صدر الظهير في اليوم نفسه، ونشر في اليوم الموالي، مما يوجب التمييز بين تاريخ الإعفاء وتاريخ صدور سنده الرسمي وتاريخ نفاذه. ولا يستقيم إهدار الأثر الزمني الذي حدده الظهير لمجرد تأخر صدوره أو نشره، كما لا يصح الجزم بأثره على الإحالة دون فحص الأحكام القانونية الحاكمة لنفاذه. غير أن المحكمة، عند نظر الطلب، تكون أمام تعيين وإعفاء ثبتا بظهيرين، ولا يسوغ إغفال أحدهما عند تقدير المركز القانوني للمعنية بالأمر. وتبرز هنا أهمية التمييز بين الإعفاء السابق لقرار الشغور والإعفاء اللاحق له. فبعد صدور القرار القضائي لا مجال للاحتجاج بانتهاء المهام الحكومية لاسترجاع العضوية النيابية، بالنظر إلى نهائية الحكم وما يرتبه من آثار. أما قبل صدوره، فإن محل البحث ينصرف إلى مدى بقاء الموجب القانوني للتصريح بالشغور عند نظر المحكمة في الطلب. ولا يصح إلحاق الحالة الثانية بالأولى لمجرد اشتراكهما في واقعة الإعفاء؛ إذ مناط الحكم مختلف، والقياس مع الفارق فاسد الاعتبار.
ويجد هذا النظر ما يعزز إمكان الدفاع عنه في اعتداد القضاء الدستوري، في إحدى حالات التنافي التي سبق تناولها، بزوال الصفة الحكومية قبل البت في الطلب. ومع التسليم باختلاف المسطرة القانونية، فإن القدر الذي يصح استخلاصه من ذلك الاجتهاد أن زوال الصفة أثناء النظر القضائي ليس واقعة عديمة الأثر بالضرورة. أما حمل ذلك القرار على أنه حسم مسألة الشغور المنصوص عليها في المادة 14، ففيه مجاوزة لحدود منطوقه وتعليله، وتحميل للاجتهاد ما لم يتناوله.
3. في حماية الانتداب النيابي وحدود التفسير الموسع لأسباب فقدانه
إن العضوية في مجلس النواب تستند إلى الانتخاب، ويحدد الدستور والقانون التنظيمي شروط اكتسابها وانتهائها. والتصريح بشغور المقعد يرتب أثرا يمس التمثيل النيابي، فلا يجوز التوسع في أسباب فقدانه أو استحداث آثار لم يضبط المشرع شروطها. وتزداد ضرورة هذا الاحتراز حين يتعلق الأمر بفرضية سكت النص عن تنظيمها صراحة، واختلف في تكييفها على مقتضى أحكام التنافي. ولا ينهض هذا الاعتبار حجة لتعطيل المادة 14 متى تحققت شروط إعمالها، فالتنافي قيد مشروع قرره المشرع التنظيمي، ولا سبيل إلى إهداره بالاحتجاج بأصل الانتخاب. غير أن مشروعية القيد لا تسوغ التوسع في آثاره، ولا تعفي من إقامة الدليل على استمرار موجب الشغور بعد زوال الصفة الحكومية.
وتظهر الغميزة في الاتجاه القائل باستمرار موجب الشغور بعد الإعفاء حين يمنح واقعة التعيين أثرا نهائيا، ولو زالت الصفة الحكومية قبل تدخل المحكمة الدستورية، دون أن يبين السند الذي يجعل هذا الأثر بمنأى عن الوقائع القانونية اللاحقة. وإذا كان فقدان المقعد حكما يرتبه القانون على التعيين، وجب بيان وجه استقراره منذ تلك اللحظة، لا الاكتفاء بتكرار أن التعيين قد حصل. فتكرار المقدمة لا يقوم مقام البرهان على النتيجة.
وقد يعترض على ترجيح استمرار العضوية بأن مصير المقعد سيصبح متوقفا على سرعة صدور قرار المحكمة الدستورية؛ فمن أعفي قبل التصريح بالشغور يحتفظ بمقعده، بينما لا يستطيع من أعفي بعده العودة إليه. وهذا اعتراض معتبر، لأنه يكشف عن تفاوت محتمل في الآثار القانونية المترتبة على واقعة التعيين نفسها. غير أن اختلاف الأثر باختلاف المرحلة التي بلغتها المسطرة القضائية ليس أمرا غريبا عن القانون. فالقرار النهائي يرتب مركزا قانونيا لا يجوز الرجوع عنه بالاستناد إلى وقائع لاحقة، بينما تظل الوقائع السابقة لصدوره مما يتعين النظر في أثره متى كان متصلا بمناط الحكم. ويبقى إثبات انطباق هذا التمييز على المادة 14 أمرا موكولا إلى تفسيرها، ولا يجوز اتخاذ الاعتراض نفسه دليلا على بطلانه. ويتعين أيضا الاحتراز من تحويل قصر مدة التعيين إلى معيار قانوني مستقل. فالمادة 14 لم تربط التنافي بمدة معينة من ممارسة المهام الحكومية، ولم تشترط مباشرتها فعليا. ولذلك فإن عدم استمرار مديحة خيير في منصبها إلا مدة وجيزة لا يصلح، وحده، أساسا للاحتفاظ بالمقعد. وإنما تكمن القيمة القانونية للإعفاء في حصوله قبل التصريح بالشغور، وما ترتب عليه من زوال الصفة الحكومية في مرحلة لم يكن القضاء الدستوري قد فصل فيها في الوضعية النيابية.
4. في الترجيح الفقهي وحكم نازلة مديحة خيير
في تقديرنا، فإن الاتجاه القائل باستمرار العضوية النيابية بعد زوال الصفة الحكومية وقبل صدور قرار الشغور أرجح من الوجهة الفقهية، وإن لم يخل من اعتراضات يعضدها ظاهر المادة 14 والاجتهاد الدستوري الذي اعتد بالتعيين أساسا لقيام التنافي. ومبنى هذا الترجيح أن ثبوت حالة التنافي عند التعيين لا يستلزم، بمجرده، استمرار موجب التصريح بالشغور بعد زوال الصفة الحكومية. فقد تحقق سبب التنافي في مرحلة معينة، ثم تغير المركز القانوني للمعنية بالأمر قبل صدور القرار القضائي الذي عهد إليه المشرع بإعلان الشغور. ولم ينص القانون التنظيمي صراحة على إهدار أثر الإعفاء السابق لهذا القرار، كما لم يقدم القضاء الدستوري، في القرارات التي تناولناها، حكما مباشرا في هذه الفرضية. ولا يسوغ سد هذا الفراغ بإضفاء القطعية على تأويل لا يزال محل منازعة، ثم اتخاذه أصلا يقاس عليه.
ولا تنفصل هذه النتيجة عما سبق أن انتهينا إليه عند فحص المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 065.13. فقد أمكن، بمقارنتها بحالات التنافي الأخرى المنصوص عليها في التشريع التنظيمي، تقديم تأويل يحدد نطاق أجل التسوية دون إعماله بالضرورة في الحالة المنصوص عليها في المادة 14. غير أن حرفية المادة 35، بما تضمنته من عمومية في الإحالة إلى حالات التنافي، ومن ربط بداية الأجل بالتنصيب البرلماني أو التعيين حسب الحالة، تظل محتملة لتأويل آخر يشمل التنافي بين العضويتين الحكومية والنيابية. وهنا تتجلى الهفوة في التنسيق التشريعي؛ إذ ترك المشرع مقتضيين يتصلان بموضوع واحد، دون أن يضبط العلاقة بين آثارهما ضبطا يرفع الاحتمال. ولئن أمكن حمل المادة 35 على الحالات الأخرى التي تناولناها، فإن هذا التأويل لا يسقط الاحتمال الذي تسمح به حرفية النص، ولا يبيح إهدار عباراته التي يتعين إعمالها ما وجد إلى ذلك سبيل. فإعمال الكلام أولى من إهماله، والمشرع منزه عن العبث واللغو في صياغة أحكامه. أما أن يصير التنصيب البرلماني وعبارة «حسب الحالة» ألفاظا لا وظيفة لها في أحد التأويلات، فذلك مما يكشف عن عوار الصياغة، ويجعل دعوى وضوح الحكم على وجه واحد دعوى تحتاج إلى برهان.
وقد زاد القاضي الدستوري هذا اللغط بما شاب تعليل القرارات التي فحصناها من تغييب للمناقشة الصريحة للعلاقة بين المادتين 14 و35، رغم ما تثيرانه من إشكال في تحديد آثار التنافي. وتكمن الغميزة في إعمال أحد المقتضيين دون بيان وجه التوفيق بينه وبين الآخر. ولا يكفي سبق التصريح بدستورية النصوص لدفع هذا الاعتراض، لأن الحكم بدستورية المقتضى لا يغني عن بيان وجه تطبيقه عند تزاحمه مع مقتضى تنظيمي آخر. وحجية القرار القضائي في منطوقه لا تستلزم عصمة تعليله من النقد الفقهي. ولا نجعل من المادة 35، مع ذلك، سندا قاطعا لاستمرار العضوية النيابية؛ فقد بينا ما تحتمله من تأويلين، وما يقتضيه كل منهما من نظر. وإنما نستحضرها لبيان أن النظام التشريعي للتنافي لم يبلغ من الإحكام ما يسوغ معه القطع بأن التعيين يرتب، في جميع الأحوال، فقدان المقعد على وجه لا يقبل الاعتداد بزوال الصفة الحكومية قبل الحكم. ويعزز ترجيحنا أن الأخذ باستمرار موجب الشغور رغم زوال الصفة الحكومية يفترض إضفاء أثر لا رجعة فيه على واقعة التعيين منذ حدوثها، مع أن المشرع أسند إعلان الشغور إلى المحكمة الدستورية. ولا يكفي الاستناد إلى الطبيعة الكاشفة المحتملة لقرار المحكمة لحسم هذه النتيجة، لأن وصف القرار لا يغني عن تحديد شروط استحقاق الشغور عند الفصل في الطلب، ومدى تأثير الوقائع اللاحقة للتعيين في استمرار تلك الشروط.
ومع ذلك، فإن هذا الترجيح لا يحملنا على الجزم بأن المحكمة الدستورية ملزمة برفض التصريح بالشغور في نازلة مديحة خيير. فالمادة 14 تحتمل قراءة تعتبر التعيين سببا كافيا لفقدان المقعد، وأن الإعفاء اللاحق لا يؤثر في النتيجة التي رتبها القانون عليه. ولهذا الاتجاه سنده من صياغة النص والاجتهادات التي اعتمدت واقعة التعيين، وإن كانت لم تفصل في حالة الإعفاء السابق لصدور الحكم. ولا يستقيم في مقام الترجيح الفقهي إغفال حجة الخصم أو التهوين من قوتها لمجرد مخالفتها لما نذهب إليه.
ولهذه الاعتبارات، نرجح فقهيا استمرار العضوية النيابية لمديحة خيير بعد إعفائها من المهام الحكومية وقبل صدور قرار التصريح بالشغور. ونؤسس هذا الترجيح على ضرورة الاعتداد بزوال الصفة الحكومية عند تقدير استمرار موجب التنافي، وعلى الاحتراز الواجب في تفسير أسباب فقدان الانتداب الانتخابي، مع بقاء ما تثيره المادة 35 من احتمال تأويلي يكشف اضطراب التنظيم التشريعي. وهو حكم فقهي نتحمل مسؤوليته في حدود ما عرضناه من نصوص واجتهادات، بصرف النظر عما قد ينتهي إليه القضاء الدستوري، الذي تظل قراراته ملزمة في آثارها القانونية، وخاضعة في تعليلها للمناقشة والنقد. وقد كان يسيرا على المشرع أن يرفع هذا الخلاف بتحديد أثر الإعفاء السابق للتصريح بالشغور، سواء بالنص على أن التعيين يرتب فقدان المقعد بصرف النظر عن استمرار الصفة الحكومية، أو بإقرار حكم صريح يجيز الاعتداد بزوال التنافي قبل صدور القرار القضائي. أما ترك المسألة للتأويل، مع ما يترتب عليها من آثار تمس الانتداب النيابي، فهو هفوة تشريعية لا يصح التهوين من شأنها، لما أحدثته من لغط كان في وسع المشرع دفعه بإحكام الصياغة وضبط الآثار.
خاتمة: في اضطراب التشريع وحدود الاجتهاد الدستوري
لقد كشفت نازلة مديحة خيير عن عوار في التنسيق بين الأحكام التنظيمية للتنافي، وعن حدود ما استطاع الاجتهاد الدستوري حسمه في شأن العلاقة بين التعيين الحكومي والتصريح بشغور المقعد النيابي. وقد تبين من فحص النصوص والقرارات أن الاعتداد بالتعيين أساسا لقيام التنافي لا يستنفد جميع الإشكالات التي قد تترتب على زوال الصفة الحكومية قبل صدور القرار القضائي. ويظهر هذا العوار بوجه خاص في العلاقة بين المادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب والمادة 35 من القانون التنظيمي للحكومة. فقد ترك المشرع صياغة تحتمل أكثر من تأويل، بينما مضى القضاء الدستوري في إعمال أحكام الشغور دون أن يقدم، في القرارات التي فحصناها، تعليلا يرفع ما بين المقتضيين من التباس. وفي هذا التغييب غميزة لا يصح إغفالها؛ إذ لا يكفي أن يعلن القاضي دستورية النص ثم يترك ما يثيره تطبيقه من اضطراب دون معالجة، خاصة حين يتعلق الأمر بمصير انتداب نيابي يستمد أصله من الاقتراع. وقد زادت وقائع النازلة من حدة هذا الإشكال. فالتعيين والإعفاء ثبتا بظهيرين حددا تاريخي سريانهما، وتداولت الصحافة خبر الإحالة بعد التاريخ المحدد لنفاذ الإعفاء، ثم حصل التنصيب البرلماني للحكومة دون تعيين بديل للمعنية بالأمر، بحسب المعطيات المتاحة عند تحرير هذه الدراسة. ولا يترتب على عدم تعيين البديل، في ذاته، حكم بشأن المقعد النيابي، غير أنه يؤكد خصوصية التعاقب الذي عرفته التشكيلة الحكومية، ويستدعي ضبط أثر الإعفاء في المركز القانوني للمعنية بالأمر.
وإذا كنا قد رجحنا فقهيا استمرار العضوية النيابية في هذه الحالة، فإننا لا نغفل ما يواجه هذا الترجيح من اعتراض يستند إلى صياغة المادة 14 واتجاه القضاء الدستوري في تطبيقها. غير أن هذا الاعتراض لا يعفي المشرع من تبعة ما وقع فيه من قصور، ولا يسوغ إهدار الوقائع القانونية اللاحقة للتعيين دون إقامة الدليل على عدم تأثيرها في موجب الشغور. ولعل أشد ما يؤاخذ عليه المشرع في هذه النازلة أنه ترك مصير مقعد نيابي معلقا على تأويل نصوص كان في وسعه إحكامها، ثم أحال إلى القضاء الدستوري مهمة الفصل في آثار تناف لم يضبط جميع أحكامه. وهي هفوة لا يسوغ التهوين من شأنها، لما تثيره من لغط في تحديد المراكز القانونية، وما تكشف عنه من عوار في الصناعة التشريعية. وليس من سلامة التشريع أن يفتح النص باب الاحتمال ثم يترك للقاضي أن يسد ما أغفله المشرع، دون ضابط صريح يحكم العلاقة بين المقتضيات المتزاحمة.
إن معالجة هذا القصور تقتضي تدخلا تشريعيا يحدد الآثار المترتبة على التعيين الحكومي وزوال الصفة الحكومية في مختلف مراحل مسطرة الشغور، ويضبط العلاقة بين أجل التسوية والتصريح القضائي بشغور المقعد. فالمراكز القانونية الناشئة عن الانتخاب لا ينبغي أن تظل رهينة اختلاف التأويل في مسألة كان في وسع المشرع حسمها، ولا يجوز أن يصبح القضاء الدستوري مطالبا، في كل نازلة جديدة، بتدارك ما أغفله التشريع من أحكام لازمة لاستقرار الانتداب النيابي.
